المجلة الطبية

ستة أيام في مواجهة الحصبة.. حملة تحصين تواجه ثغرات تراكمت لسنوات

-

بعد تسجيل 32 وفاة و2,042 إصابة مؤكدة.. حملة تحصين طارئة ضد الحصبة تستهدف 204 آلاف طفل يمني

تقرير : خاص/ المجلة الطبية

أطلقت وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية في الثامن من أغسطس الجاري حملة تحصين ضمن النشاط الإيصالي التكميلي استمرت لمدة ستة أيام، تهدف للوصول إلى 204,765 طفلاً في تسع مديريات تقع ضمن المناطق ذات الأولوية للتدخل في محافظات عدن، لحج، أبين، تعز، حضرموت، ومأرب، وتأتي هذه الحملة في ظل مؤشرات وبائية نبهت لها بيانات حديثة من وزارة الصحة وحصلت عليها “المجلة الطبية”، أظهرت تسجيل 2,801 حالة اشتباه بالحصبة، بينها 2,042 حالة مؤكدة و32 حالة وفاة في المديريات المستهدفة.

وتعمل الفرق الصحية المشاركة ضمن الحملة على تطعيم الأطفال من عمر ستة أشهر إلى خمس سنوات بلقاح الحصبة، إلى جانب تقديم حزمة خدمات صحية تكاملية تشمل التحصين الروتيني و التغذية وصحة الطفل و الصحة الإنجابية.

 

المديريات المستهدفة في حملة التحصين التكميلية ضد الحصبة.المديريات المستهدفة في حملة التحصين التكميلية ضد الحصبة.

و في توضيح لطبيعة مرض الحصبة  يقول الدكتور ياسر أحمد بامعلم، استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة، أن الحصبة مرض فيروسي شديد العدوى ينتقل عبر الهواء والرذاذ التنفسي، ويمكن أن يصيب أي شخص غير محصَّن، إلا أن الأطفال غير المطعمين يظلون الفئة الأكثر عرضة للإصابة والمضاعفات.

وأشار بامعلم إلى الأعراض المباشرة تبدأ بارتفاع في درجات الحرارة، وسعال، وسيلان في الأنف، واحمرار في العينين، يرافق ذلك تقرحات في الغشاء المخاطي للفم قبل ظهور الطفح الجلدي الذي يبدأ عادة في الرأس والوجه ثم ينتشر تدريجياً لجميع أنحاء الجسم.

 وحذر استشاري طب الأطفال في تصريح خاص لـ ” عوافي” من مضاعفات المرض الخطيرة كالالتهاب الرئوي والتهاب الدماغ، و التي قد تؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة لا سيما لدى الأطفال غير المحصنين، مؤكداً أن التطعيم يظل الوسيلة الأفضل للوقاية من الحصبة.

وعن الحصبة الألمانية، وضح بامعلم أنها مرض فيروسي مختلف تماماً وإن تشابهت المسميات، إذ تكون أعراضها عادةً أخف لكن خطورتها تكمن في إصابة الحوامل بها، ولا سيما خلال الأشهر الأولى من الحمل، إذ قد تؤدي الى الإجهاض أو وفاة للجنين أو عيوب خلقية حادة تُعرف بـ “متلازمة الحصبة الألمانية الخلقية”

الحصبة لم تبدء اليوم

لا تختصر الأيام الستة للحملة الحالية قصة الحصبة في اليمن، إذ تُظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أن المرض شهد خلال السنوات الماضية موجات متفاوتة الحدة بلغت مستويات قياسية، حيث سُجلت 23,941 حالة في عام 2022، وارتفعت إلى 49,755 حالة في 2023، لتعود وتسجل 32,448 حالة في عام 2025، وتؤكد هذه الأرقام المتلاحقة أن النشاط الحالي يندرج ضمن سياق استجابة لمشكلة مستمرة وممتدة، وليس مجرد تدخل طارئ لوضع صحي عابر.

تطور حالات الحصبة المسجلة في اليمن خلال الفترة 2000–2025، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية.

وفي ذات السياق، أكد وكيل وزارة الصحة العامة والسكان لقطاع الرعاية الصحية الأولية، الدكتور علي أحمد الوليدي،خلال التدشين,  أن النشاط يهدف بالأساس إلى سد فجوات التغطية و الوصول، وحماية الأطفال الذين لم يتلقوا خدمات التحصين الروتيني بصورة كافية، مشدداً على أهمية الوصول إلى كل طفل في المديريات المستهدفة لتعزيز مناعتهم ضد الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات.

وأوضح الوليدي أن النشاط ينفّذ بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية، واليونيسف، والتحالف العالمي للقاحات  (Gavi)، لتنسيق الجهود بين التطعيم والرعاية الصحية التكاملية ويشارك في تنفيذه 1,678 عاملاً صحياً تصحبهم 248 سيارة ضمن فرق ثابتة ومتحركة لتغطية كافة المناطق المستهدفة.

أبرز مؤشرات النشاط الإيصالي التكميلي للتحصين ضد الحصبة، من حيث المستهدفين والفرق والخدمات المقدمة.

التوعية جزء من النشاط

ترافقت العمليات الميدانية للحملة بأنشطة توعوية يقودها المركز الوطني للتثقيف والإعلام الصحي لتنفيذ أنشطة الحشد والتوعية المجتمعية، بالاستعانة بسيارات متجولة وإذاعات محلية للتعريف بالخدمات والمواعيد.

وقال مدير عام المركز الوطني للتثقيف والإعلام الصحي والسكاني، الدكتور عارف الحوشبي، في حديث خاص لـ (عوافي)  إلى أن تخلف بعض الأسر عن تطعيم أطفالها يعود إلى الشائعات والمعلومات المضللة، أو الإهمال وعدم إدراك مدى خطورة الحصبة، مؤكدا على أهمية تعاون الأسر مع الفرق الصحية الميدانية و الاستفادة من خدمات التحصين.

و تأتي الحملة في محاولة للوصول إلى الأطفال الذين لم يحصلوا على خدمات التحصين بصورة كافية، في ظل الحالات المؤكدة والوفيات المسجلة في المديريات المستهدفة، بما يعكس الحاجة إلى تعزيز جهود الوقاية والتحصين.

وتستمر هذه الجهود في ظل فجوات واسعة في خدمات التحصين باليمن، ووفقا لتقرير حديث عن اليونيسف، دعمت المنظمة ومنظمة الصحة العالمية خلال عام 2025 جهود الوصول إلى أكثر من 2.2 مليون طفل  تعذر وصولهم للخدمات الصحية، وتطعيمهم ضد الحصبة والحصبة الألمانية، فيما وفرت اليونيسف أكثر من 15 مليون جرعة لقاح في أنحاء اليمن.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الحصبة من أكثر الأمراض المعدية، وأن التطعيم المجتمعي يظل الوسيلة الأكثر فعالية للوقاية من المرض والحد من تفشيه.

موجات لم تتوقف

تؤكد المعطيات أن الموجة الوبائية الحالية ليست وليدة اللحظة؛ ففي مارس 2019 أعلنت اليونيسف أن اليمن سجل زيادة بـ 6,641 حالة حصبة خلال عام 2018 مقارنة بعام 2017، ليصنف حينها ضمن أعلى عشر دول شهدت ارتفاعاً قياسياً بالحالات عالمياً، في ظل ظروف النزاع وتراجع الوصول للخدمات الطبية، و استجابة لذلك، نُفذت وزراة الصحة بدعم من اليونيسف و منظمة الصحة العالمية و شركائهما حملة تحصين وطنية شاملة ضد الحصبة و الحصبة الألماني آنذاك وصلت لأكثر من 11.6 مليون طفل بنسبة تغطية بلغت 90%

خط زمني لأبرز موجات الحصبة وجهود التحصين والاستجابة في اليمن خلال الفترة 2018–2026.

ويؤكد الدكتور الحوشبي أن عودة الحالات بعد حملات التحصين لا تعني فشل اللقاح، بقدر ما تكشف عن صعوبة الحفاظ على تغطية تحصينية مرتفعة ومستقرة، والوصول إلى الأطفال الذين تفوتهم الجرعات الروتينية، ومع استمرار الفجوات في الوصول إلى الخدمات الصحية، تظل فئات من الأطفال عرضة للإصابة، وهو ما يفتح الباب أمام عودة التفشي كلما تراكمت أعداد غير المحصّنين.

الحصبة لا تغادر مع آخر سيارة

مع انتهاء الأيام الستة، ستغادر الفرق الصحية المديريات المستهدفة، لكن الخطر لا يغادر معها فالطفل الذي لم تصله الفرق يظل عرضة للمرض، والأسرة التي لم تصلها التوعية الكافية تظل بحاجة إليها، لذا لا يُقاس نجاح النشاط بعدد الفرق أو السيارات التي تحركت فقط، بل بعدد الأطفال الذين تم الوصول اليهم و حمايتهم فعلياً، وبما إذا كانت الفجوة التي استدعت هذا التدخل الطارئ ستجد طريقها إلى معالجة دائمة ضمن برنامج التحصين الروتيني.

Exit mobile version