الرضاعة في الحرب.. هل تُجفف أصوات القذائف لبن الأمهات؟
تقرير: أسامة فرحان/
ما زالت أم ميار تتذكر حتى اليوم لحظة احتضانها طفلتها لإرضاعها وسط حالة من القلق والتوتر والخوف، جراء القصف المتواصل من قبل جماعة الحوثي خلال سنوات الحرب الأولى على حي الحصب حيث تسكن في محافظة تعز، لتتفاجأ بأن حليبها توقف عن التدفق.
تقول أم ميار في حديثها لـ”عوافي” إنها لم تُعر الأمر أهمية كبيرة في تلك اللحظة وسط الخوف الذي كانت تعيشه مع أسرتها، كما أنها كانت تلاحظ قبل ذلك اليوم بأيام أن حليبها لم يعد يتدفق كما كان، فظنت أنه سيعود مجددًا إلى طبيعته.
تستطرد: “عندما زاد الوضع سوءاً وباتت أصوات القصف تقترب أكثر، قررنا المغامرة والخروج من البيت مشيًا على الأقدام نحو حي وادي القاضي للجوء إلى أحد أقاربنا، ومع أن هذا القرار كان صائبًا، إلا أن اللحظات التي خرجنا فيها من المنزل وأنا أحمل طفلتي التي لم تتوقف عن البكاء، وسيرنا وسط أصوات الرصاص والقذائف، كانت الأكثر رعبًا”.
بعد وصولها إلى منزل أقاربها، حاولت أم ميار إرضاع طفلتها مجددًا والتي كانت تبلغ من العمر حينها خمسة أشهر لكن دون فائدة؛ تضيف: “كنت كلما سمعت طفلتي تبكي، أشعر بالذنب تجاهها، واعتقدت أن شعوري بالخوف والقلق قد جففا حليبي تمامًا، وأنني لن أتمكن من إرضاعها مرة أخرى، فقررتُ اللجوء إلى الحليب الصناعي لإشباعها، وأهملتُ محاولات إرضاعها ظنًا مني أنها لن تجدي نفعًا”.
ماذا يفعل الخوف؟
يقول أخصائي التغذية العلاجية، أسعد العامري، إن التوتر والقلق الشديدين قد يجعلان تدفق الحليب وخروجه من الثدي أكثر صعوبة بشكل مؤقت، لكنهما لا يؤديان عادةً إلى توقف إنتاجه بشكل مباشر.
ويوضح في حديثه لـ”عوافي” أنه عند تعرض الأم للقلق والتوتر الشديدين، كما يحدث في ظروف الحرب، يدخل الجسم في حالة استجابة للضغط النفسي، فيزداد إفراز هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول، ويمكن أن تؤثر هذه الهرمونات في عمل هرمون الأوكسيتوسين، وهو الذي يساعد على دفع الحليب من داخل الثدي إلى القنوات وخروجه أثناء الرضاعة؛ لذلك قد يتأخر نزول الحليب، رغم استمرار إنتاجه داخل الثدي.
ويضيف العامري أن التوتر المستمر قد يؤدي إلى تقليل عدد وتكرار الرضعات، مما يقلل تحفيز الثدي لإفراز هرمون البرولاكتين المسؤول عن إنتاج الحليب، لينخفض الحليب تدريجيًا مع الوقت، مما يجعل الرضاعة أكثر صعوبة.
تؤكد دراسة مرجعية نشرتها المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (NIH)، الآلية البيولوجية التي ذكرها أخصائي التغذية، وتُبيّن الدراسة أن الضغط النفسي الشديد يعطّل اندفاع الحليب عبر إعاقة مسار هرمون الأوكسيتوسين، لكنها لا تُحبط إفراز هرمون “البرولاكتين” المسؤول عن تصنيع الحليب وتكوينه، ما يعني علميًّا أن الخوف يُغلِق منافذ التدفق مؤقتًا دون أن يقطع أصل الإنتاج في الجسد.
وفي ذات السياق يشير بيان صادر عن منظمة اليونيسف إلى وجود اعتقاد خاطئ شائع بأن العديد من الأمهات في حالات الطوارئ لا يستطعن إرضاع أطفالهن رضاعة طبيعية كافية بسبب التوتر، مؤكدًا أن التوتر قد يؤثر مؤقتًا على تدفق الحليب، ولكنه لا يمنع الإنتاج بشكل كامل.
التأثير النفسي
ومن الناحية النفسية، لا يقتصر تأثير الصدمات وحالات التوتر الحاد أو نوبات الهلع على الجانب العضوي فحسب، بل يمتد ليشكل عائقًا نفسيًّا أمام التواصل العاطفي بين الأم وطفلها.
تقول الأخصائية النفسية ومسؤولة وحدة الصحة النفسية في مستشفى الجمهوري بتعز، خيرية الخليدي إن الأم عندما تغرق في دوامة القلق المستمر، تستهلك طاقتها النفسية والعصبية، وتضعف قدرتها على الاسترخاء الذهني والجسدي المطلوب لاستمرار عملية الرضاعة بسهولة.
وتضيف في حديثها لـ”عوافي” أن الشعور بالعجز والخوف على مصير الطفل وسط بيئة غير آمنة مثل بيئة الحرب، يولد ضغطًا نفسيًّا مضاعفًا لا يؤثر فقط على تدفق الحليب، بل ينعكس أيضًا على لغة جسد الأم وتفاعلها، مما يجعل الرضاعة الطبيعية تبدو مهمة شاقة بدلًا من أن تكون مساحة أمان واحتواء للطفل والأم معًا.
البدائل وآثارها على الرضاعة
ليست أم ميار الوحيدة التي تلجأ للبدائل، حيث يوضح أخصائي التغذية العلاجية، أسعد العامري، أن بعض الأمهات يفسرن صعوبة نزول الحليب على أنها دليل على توقف إنتاجه أو عدم كفايته للطفل، فتبدأ بتقليل الرضعات أو إيقاف الرضاعة الطبيعية مبكرًا، أو تُدخل الحليب الصناعي أو الأطعمة التكميلية قبل الحاجة أو دون تنظيم مناسب.
ويضيف أن المشكلة تكمن هنا في أن تقليل الرضاعة وتفريغ الثدي يقلل التحفيز الذي يحافظ على إنتاج الحليب، موضحًا أن الثدي يعمل وفق مبدأ العرض والطلب، إذ كلما زادت الرضاعة والتفريغ استمر إنتاج الحليب، وكلما قلت الرضعات وصلت للجسم إشارة لإنتاج كمية أقل.
ويشير إلى أن المشكلة قد تبدأ بصعوبة مؤقتة في نزول الحليب بسبب التوتر أو قلق، ثم تتحول إلى انخفاض فعلي في إنتاج الحليب إذا أدى ذلك إلى تقليل الرضاعة بشكل متكرر.
ويلفت إلى أن استبدال الرضعات الطبيعية بوجبات أو حليب بديل دون تعويض ذلك بتحفيز الثدي يمكن أن يقلل إنتاج الحليب تدريجيًا، وقد يجعل العودة إلى الرضاعة الطبيعية أكثر صعوبة.
وفي ذات الصدد، تفسر الدراسة المرجعية المذكورة سابقًا الآلية البيولوجية الدقيقة لهذا التراجع، إذ تُبيّن أن الامتناع عن تفريغ الثدي بانتظام يؤدي إلى تراكم الحليب داخله، مما يُحفّز إفراز بروتين تثبيطي ذاتي (FIL) يعمل على إرسال إشارات للغدد لتقليص تصنيع الحليب تدريجيًا، وهو ما يُحوّل العائق الهرموني المؤقت الناجم عن الخوف إلى تراجع حقيقي في كميات الحليب المصنعة.
أثر البدائل على الرضيع
وفيما يتعلق بانعكاسات تراجع إدرار الحليب ولجوء الأمهات إلى البدائل على صحة الرضيع، يقول العامري أن حليب الأم يحتوي على مكونات حيوية ومناعية لا تتوافر بصورة مماثلة في الحليب الصناعي أو معظم البدائل الأخرى، وتؤدي دورًا مهمًا في دعم نضج الجهاز المناعي وتعزيز النمو الصحي للطفل.
ويوضح أن استبدال الرضاعة الطبيعية ببدائل الحليب، قد يفقد الطفل جزءًا من هذه الحماية المناعية، كما قد تزداد مخاطر العدوى وسوء التغذية، خاصةً في البيئات التي تفتقر إلى المياه الآمنة ووسائل التعقيم أو عند تحضير الحليب الصناعي بطريقة غير صحيحة، كالتخفيف الزائد أو استخدام أدوات غير نظيفة.
ويضيف أن الاعتماد على الحليب الصناعي أو البدائل الاخرى بصورة غير منتظمة أو تقليل كمياتها قبل استعادة إنتاج حليب الأم بشكل كافٍ قد يؤدي إلى عدم حصول الطفل على احتياجاته الغذائية، مستطردًا:” عند الحاجة إلى التغذية البديلة، ينبغي استخدامها بطريقة آمنة ومناسبة لعمر الطفل، مع الاستمرار في دعم الرضاعة الطبيعية وإعادة تحفيز إنتاج الحليب ومتابعة نمو الطفل وحالته الغذائية والصحية”.
حلول لاستعادة الإدرار
يطرح أخصائي التغذية العلاجية، أسعد العامري، مجموعة من الممارسات البسيطة التي يمكن للأم المرضعة الاستعانة بها لاستعادة تدفق الحليب مجددًا، في حال ملاحظتها تراجع تدفق حليبها نتيجة القلق والتوتر وغيرها من الضغوط النفسية، أبرزها ملامسة الجلد للجلد مع الطفل بوضعه مباشرة على صدرها، مع توفير الهدوء والراحة لبضع دقائق قبل الرضاعة وأثناءها، وممارسة التنفس البطيء والاسترخاء من خلال الجلوس في مكان هادئ ومريح، وأخذ شهيق هادئ يتبعه زفير أطول وبطيء لعدة مرات.
بالإضافة إلى تدليك الثدي بلطف واستخدام كمادات دافئة باعتدال، والاستمرار في الرضاعة أو شفط الحليب بانتظام.
ومن الجانب النفسي تؤكد الأخصائية النفسية ومسؤولة وحدة الصحة النفسية بمستشفى الجمهوري خيرية الخليدي، أهمية احتياج الأم في هذه المرحلة إلى دعم كافٍ يعزز شعورها بالأمان والثقة عبر الدعم النفسي بالتطمين وتجنب اللوم والضغط، والدعم العملي بتوفير الهدوء والراحة والمساندة من قبل الزوج والأقارب في رعاية الطفل.
تتلاقى آراء المختصين والتقارير والدراسات العلمية لتؤكد أن خوف وتوتر الأمهات المرضعات يعيق خروج الحليب لكنه لا يجففه بشكلٍ كامل كما يعتقد البعض، وأن الحل لا يكمن في اللجوء إلى البدائل التي قد تزيد من مخاطر العدوى وسوء التغذية لدى الرضيع بل بملامسة الجلد للجلد، وبالدعم النفسي والاجتماعي للأم المرضعة.
أُنجزت هذه المادة بدعم وإشراف من مؤسسة عوافي للإعلام الصحي، ضمن مشروع «أول هدية» الذي تنفذه بالشراكة مع المركز الوطني للتثقيف والإعلام الصحي وبدعم من منظمة اليونيسف وبنك التنمية الألماني ( KFW).
ونشرت بالتزامن مع موقع “المشاهد نت”
Source : https://alttebiah.net/?p=25668




