جدل اللقاحات.. إتهامات متبادلة وطفولة مهددة
تقرير: جميل المقطري/
من نافذة مناكفات سياسية واتهامات متبادلة، بين السلطات الرسمية الصحية في صنعاء وعدن، تسلل فيروس شلل الأطفال عام 2021 الى اليمن ليحطّم أحلام 271 طفلا/ـة، أبلغ عن إصابتهم/ن حتى ديسمبر/ كانون الأول 2023، ليعيد بذلك اليمن الى قائمة الدول الـ35 المتضررة من المرض، بعد 14 عاماً على إعلان خلو البلاد من الفيروس.
وعلى وقع سجالات إعلامية متواصلة بين مسئولي وزارة الصحة في طرفي النزاع، ومحاولات كُلٍّ منهما إلقاء اللائمة على الطرف الآخر، تُفجع أسرة يمنية بفقدان طفلها كُل 13 دقيقة، وفقا لبيانات صادمة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسيف عام 2024، كشفت حصد الأمراض التي يمكن الوقاية منها أرواح 39 ألف طفل/ـة في عام واحد، وعدم تلقى 242 ألف طفل/ـة جرعتهم الأولى من اللقاحات الروتينية.
في ملخصها الإقليمي (الشرق الأوسط وشمال افريقيا) عن حالة أطفال العالم 2023، تضع المنظمة الأممية اليمن على رأس قائمة دول الإقليم، لجهة عدد الأطفال غير الحاصلين على أي جرعة لقاح، وعدد الأطفال المنقوصي التحصين.
وكشفت البيانات تسجيل 174.613 طفلا غير حاصلين على أي جرعة لقاح، وبنسبة مئوية قدرت بـ18% من مجموع الاطفال دون سنة واحدة، فيما جاء عدد الأطفال المنقوصي التحصين بحصيلة تجاوزت الـ97 الف طفلا، وبنسبة مئوية بلغت 10% من مجموع الأطفال دون سنة واحدة.
أين اللقاحات؟
اختفاء اللقاحات الروتينية وشحتها باتت أزمة مجتمعية وصحية تضاف إلى هموم وأعباء الأسر اليمنية المنهكة بتفاقم الأوضاع المعيشية جراء الحرب والحصار والنزاع المسلح منذ 2014، فعلى أبواب المشافي والمراكز الطبية يتردد مئات الأباء والأمهات بصحبة أطفالهم/ـن بحثاً عن اللقاحات، مثلما إنتشرت على نطاق واسع تساؤلات بمصير وإمكانية الحصول علي اللقاحات لتحصين الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأطلق عاملون في القطاع الصحي تحذيرات من أن انعدام لقاحات الأطفال الأساسية في اليمن ينذر بكارثة وبائية محققة، ويمهد لعودة أمراض قاتلة ومسببة للإعاقة الدائمة مثل شلل الأطفال، الدفتيريا، والحصبة، معتبرين” التساهل في توفيرها أو التهاون في هذا الملف يعد جريمة حقيقية بحق الطفولة ومستقبل الأجيال.
سجالات إعلامية
مقابل تزايد مخاوف الآباء والأمهات على صحة أطفالهم/ـن، ومشاق البحث المضني عن اللقاحات، ترتفع حدّة الرسائل الإعلامية المتبادلة بين الحكومة المعترف بها دوليا، والسلطات في صنعاء، منذ مطلع أغسطس / آب الماضي على خلفية أزمة اللقاحات.
فقد اعتبرت وزارة الصحة في عدن ” تعثر خدمات التحصين وإمدادات اللقاحات” في مناطق سلطة صنعاء نتيجة ما وصفتها بـ”استمرار القيود والتدخلات التي أثّرت على عمل البرنامج الوطني للتحصين وشركاء القطاع الصحي”.
متهمة ضمنيا سُلطات صنعاء بـ”تعطيل حملات التحصين، والتدخل في عمل المنظمات الإنسانية”، مشيرة الى ما “ترتب على الاعتداءات واحتجاز عدد من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية” من تقليصٍ وتعليقٍ لبعض الأنشطة الإنسانية والصحية.
وزارة الصحة والبيئة بصنعاء ردت من جانبها صبيحة اليوم التالي بعقد مؤتمر صحفي 2 أغسطس / آب معتبرة انقطاع التطعيمات “ليس ناتجاً عن أي تقصير محلي، بل هو نتيجة أزمة إنسانية مفتعلة، حيث انعدمت كلياً الأرصدة المخزنية للقاحات الأساسية” معتبرة كذلك تعليق غالبية المنظمات لعملها ، تسبب في أزمة اللقاحات.
وفيما أشار الناطق باسم صحة صنعاء أنيس الأصبحي إلى أن آخر شحنة وصلت بتاريخ 4 سبتمبر 2025، قال أن الوزارة قامت بكافة المخاطبات الرسمية المبكرة والاجتماعات مع الشركاء للبحث عن حلول للوضع المتفاقم حتى نهاية يوليو 2026، مستدركا :” إلا أن الشحنات لم تصل حينها” متهما منظمات دولية بما وصفه “التعنت وتسيس العمل الإنساني”.
وحملت صنعاء المسؤولية عن انعدام اللقاحات تحالف دعم الشرعية في اليمن “والأمم المتحدة ومنظماتها” التي قالت انها علقت أنشطتها الإنسانية في البلد بدوافع سياسية تتعارض مع ما تدّعيه من معايير إنسانية.
وفيما جددت صحة عدن التزامها الكامل بحماية صحة الأطفال في جميع أنحاء اليمن، وتأكيدها أن صحة الطفل اليمني يجب أن تبقى محل توافقٍ ومسؤوليةٍ مشتركة، بعيداً عن أي خلافات، اكدت نظيرتها في صنعاء هي الأخرى أنها لن تدخر جهدا لتعزيز الوضع الصحي في البلد، وأن اللقاحات ستكون متوفرة حال دخولها في مرافق الوزارة وبعد إجراءات الفحص.
بالأرقام .. تراجع مؤشرات التطعيم
بالتوازي مع السجال الإعلامي المتبادل للسلطات الصحية، تكشف بيانات يونيسيف تراجع نسبة الأطفال الناجين الذين تلقوا الجرعة الثالثة من اللقاح المحتوي على لقاح الخناق والكزاز والسعال الديكي من 57% عام 2020 إلى 56% عام 2021، وإلى 46% عام 2023، لتنخفض عام 2024 الى 42% ، وصولا إلى 39% عام 2025.
مؤشر نسبة الأطفال الذين تلقوا الجرعة الثانية من اللقاح المحتوى على الحصبة ، سجّل ارتفاعاً ملحوظا عام 2021 بنسبة 41%، مقارنة بنسبة 36% عام 2020، فيما سجل المؤشر عام 2022 نسبة 42%، لينخفض هو الآخر عام 2023 إلى نسبة 39% ، ثم نسبة 40% عام 2024، متراجعاً عام 2025 إلى 38%
وبلغت نسبة الرضع الناجين الذين تلقوا الجرعة الأولى من لقاح شلل الأطفال المعطل عامي 2020/2021 نسبة 55% ، لترتفع عام 2022 إلى 59% ، قبل أن تتراجع عام 2024 إلى 48%، ثم 45% عام 2023، وصولا إلى نسبة 42% عام 2025.
وفاة يومية لما بين 150 إلى 170 طفلاً
خرجت أزمة اللقاحات في اليمن إلى العلن أواخر يناير/ كانون الأول 2023 حينما استدعى مجلس النواب في صنعاء وزير الصحة السابق على خلفية وفاة عدد من الأطفال بسبب انتشار مرض شلل الأطفال والحصبة، والذي جاء رده صادماً بكشفه وفاة ما بين 150 إلى 170 طفلاً يومياً قارعاً بذلك أجراس الخطر بتفاقم الحالة الصحية في البلد.
ورغم إفادته حينها بتوفر اللقاحات “في جميع المراكز الصحية المخصصة لذلك”، عزا الوزير طه المتوكل ذلك إلى “تفاقم المشاكل الصحية” بسبب تداعيات الحرب والحصار ومنها سوء التغذية وانخفاض المناعة بسبب عدم توفر المكونات الغذائية والحالة النفسية للأطفال.
يومها حث النواب الصحة على ترصد انتشار الأمراض والأوبئة وتقديم اللقاحات وفقاً لبرامج التحصين التي كانت معتمدة من خلال النزول إلى مساكن المواطنين، وتوفير اللقاحات للأطفال في الأرياف والمناطق النائية.
حملات تطعيم للملايين
ميدانيا تسير حملات التطعيم في أجواء مفعمة بالتعقيدات، من هذه الحملات إطلاق وزارة الصحة بعدن بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية و(اليونيسف)، في سبتمبر/أيلول 2025 الجولة الثانية من حملة التطعيم ضد شلل الأطفال في 12 محافظة تابعة للحكومة في عدن استهدفت تحصين أكثر من 1.3 مليون طفل/ـة دون سن الخامسة ضد فيروس شلل الأطفال.
مناطق سلطة صنعاء قدمت فيها عام 2025، 2.2 مليون جرعة تطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية، إلى جانب خدمات المشورة المتكاملة للأطفال والأمهات والتغذية.
يمكن القول أن هذه الجهود تمكنت من الحد من شلل الأطفال ، حيث سُجِّلت في 2025، 31 حالة إصابة بالفيروس المشتق من اللقاح في عموم اليمن، وهو انخفاض لافت مقارنة بـ 187 حالة رُصدت عام 2024، وفقا لبيانات منظمة الصحة العالمية.
بالنسبة لمرض الحصبة سُجِّلت في عام 2025 وحده 27560 حالة إصابة مؤكدة، تسببت في 218 وفاة على مستوى البلاد
وتقول منظمة الصحة العالمية إنّ التقدم المحرز خلال الفترة 2024-2025 يبرز فاعلية جهود التمنيع المستمرة ، إذ وصلت تسع جولات إيصالية إلى 542183 طفلاً، من بينهم 119.702 أطفال ممن لم يتلقوا أي جرعات سابقة.
في سياق نشاط الاستجابة والتوسع تلقى 2.1 مليون طفل لقاح الحصبة والحصبة الألمانية، كما نجحت أربع حملات للتطعيم ضد شلل الأطفال في الوصول إلى 1.4 مليون طفل دون الخامسة، محققةً نسبة تغطية بلغت 100%.
يتأثر الأطفال والأسر والمجتمعات سلبياً بتراجع مستوى التطعيم وعدم الحصول على اللقاحات في دول مثقلة بالنزاعات والفقر ونقص الموارد مثل اليمن، وهي مشكلة يمكن التغلب عليها بتوفير اللقاحات، غير أنّ المشكلة المستعصى علاجها في اليمن تكمن في إنخفاض الإحساس بالمسئولية وتحويل صحة الأطفال ومستقبل الأجيال إلى ورقة مساومة قابلة للأخذ والرد.
أُنجزت هذه المادة بدعم وإشراف من مؤسسة عوافي للإعلام الصحي، ضمن مشروع «أول هدية».
ونشرت بالتزامن مع موقع ” النداء”
Source : https://alttebiah.net/?p=25685







