في ريمة.. حين تتحول المسافة إلى عائق أمام الولادة الآمنة
تقرير: أسماء الوزان/
في الشهر التاسع من حملها، كانت آمنة عبده تنتظر ولادة طفلتها في منزلها بمديرية مزهر في محافظة ريمة وكانت تشعر بتعب وآلام منذ وقت مبكر من الحمل، لكنها لم تذهب إلى المستشفى، في ظل ظروف أسرتها المادية وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية المؤهلة بالمحافظة، بحسب رواية ابنتها لـ: .. .
بدأ المخاض واستمر يومين، قبل أن يشتد الألم في اليوم الثالث وكان زوجها مغتربًا في السعودية، فتولى شقيقه نقلها.
حملوها وانطلقوا نحو أقرب مركز صحي، مرورًا بمراكز ووحدات صحية في مسور وبكال، لكن الأسرة تقول إنها لم تجد خدمة متاحة يمكن أن تتعامل مع حالتها، فواصلت الطريق نحو الجبين، عاصمة المحافظة.
استغرقت الرحلة نحو ثلاث ساعات. وفي الطريق، وضعت آمنة طفلتها التي فارقت الحياة. عادت الأسرة بها إلى المنزل، قبل أن تتوفى في اليوم التالي.
تكشف بيانات مسح اليونيسف متعدد المؤشرات 2022-2023 عن فجوة كبيرة في رعاية الأم في ريمة، وحصلت 27.3% فقط من النساء على متابعة للحمل مرة واحدة على الأقل لدى مقدم خدمة ماهر، و4.3% على أربع زيارات أو أكثر.
ولم تتجاوز الولادات التي تمت بمساعدة عامل صحي ماهر 21.3%، فيما جرت 11.4% فقط داخل منشأة صحية، وحصلت 12.2% من الأمهات على فحص صحي خلال اليومين التاليين للولادة.
الطريق إلى الرعاية
تقول أخصائية النساء والولادة مها النهاري تعمل في مركز طبي خاص بها في الجبين لـ”ريف اليمن” إن متابعة الحمل في ريمة منخفضة، إذ تتأخر نساء في طلب الرعاية أو يصلن إلى المرافق عند ظهور النزيف أو تعسر الولادة، وترجع ذلك إلى بُعد المناطق، وصعوبة الطرق، وكلفة النقل، وضعف الوعي بأهمية المتابعة.
ويقول نائب مدير مكتب الصحة العامة في ريمة يحيى مراد لـ”ريف اليمن” إن تراجع دعم المنظمات وانسحاب بعضها من تدخلات صحية خفّضا مستوى الخدمات إلى حد كبير، فيما زاد غياب الفرق المتنقلة صعوبة الوصول إلى المناطق البعيدة.
وكانت المحافظة قد وضعت خطة لتوزيع خدمات الولادة المتخصصة في مديريات متفرقة على مستشفيات الثلايا في الجبين، والمساجد في السلفية، والميثاق في بلاد الطعام، لاستقبال الحالات وإحالتها بحسب موقعها وحاجتها. لكن الخطة لم تُستكمل وفق مراد، بسبب نقص الكادر المتخصص والتجهيزات، ما أبقى فجوة في خدمات الولادة المتخصصة ودفع بعض الحالات إلى الإحالة داخل المحافظة أو خارجها، ولا تنتهي الحاجة إلى التنقل دائمًا عند الجبين.
وبحسب مراد، تعاني المحافظة من نقص الاختصاصيين، وقد تحتاج بعض الحالات إلى خدمات أعلى من المتاحة داخل المحافظة، ما يستدعي إحالتها إلى مستشفيات خارجها.
وتُظهر بيانات رصد منظمة الصحة العالمية للخدمات الصحية في اليمن لعام 2023 فجوة في توافر حزمة خدمات الأمومة والمواليد في محافظة ريمة؛ إذ كانت الحزمة متاحة في 14% من المرافق الصحية المشمولة بالرصد، ومتاحة جزئيًا في 54% منها، بينما لم تكن متاحة في 32%. وشمل الرصد 117 مرفقًا صحيًا تشغيليًا في المحافظة.
وتوضح بيانات الرصد أن نقص الكوادر والتدريب والمستلزمات والمعدات الطبية والموارد المالية من بين العوائق التي تحد من تقديم خدمات الرعاية الصحية، إلى جانب صعوبات الوصول التي تواجه السكان في المناطق النائية.
حين تصبح الولادة طارئة
توضح قصة أم علي، من عزلة بكال بمديرية مزهر في ريمة، جانبا آخر من المشكلة ولم تكن تعرف بدقة متى بدأ حملها أو موعد ولادتها، ولم تراجع مركزًا صحيًا لمتابعته.
وفي الشهر الثامن بدأ نزيف استمر يومًا كاملًا ظنت في البداية أن موعد الولادة حان، لكن ما شعرت به لم يكن مخاضًا طبيعيًا.
في صباح اليوم التالي، استأجر زوجها سيارة بنحو 50 ألف ريال لنقلها إلى الجبين واستغرقت الرحلة نحو خمس ساعات، وعند وصولها إلى مستشفى الثلايا أظهر الفحص أن الجنين توفي داخل الرحم. واستخدم الأطباء أدوية لتحفيز الولادة، قبل أن تضع أم علي مولودها.
وتقول أم علي لـ”ريف اليمن” إن حملها كان يسير بصورة طبيعية في نظرها قبل النزيف، وإنها لا تعرف ما إذا كانت وفاة جنينها حدثت مع بدء النزيف أم خلال الرحلة إلى المستشفى.
ولا تقتصر المشكلة على الوصول إلى المرفق فقط وتقول رقية الهتاري، طبيبة وقابلة لـ”ريف اليمن” إن بعض الحالات القادمة من القرى النائية تحتاج إلى ساعة أو ثلاث ساعات أو أكثر للوصول، بحسب موقع القرية وحالة الطريق، فيما يزيد غياب سيارات الإسعاف ووعورة الطرق زمن الرحلة.
وتروي رقية حالة امرأة في ريف الجبين طلبت أسرتها منها النزول من المستشفى إلى منزلها، بسبب صعوبة نقل المرأة. وجدتها في حالة ولادة متعسرة، وطلبت نقلها إلى مستشفى الثلايا.
وعند وصولها كان ضغط دمها مرتفعًا، مع احتمال إصابتها بتسمم الحمل، بحسب رقية. وبسبب حاجتها إلى عناية مركزة غير متوفرة في المستشفى، حُولت إلى مستشفى الثورة في الحديدة.
خلال تدهور حالتها دخلت المرأة في غيبوبة، وتوفي الجنين داخل الرحم. وبعد وصولها إلى الحديدة، أُجريت لها قيصرية، لكن الوقت كان قد تأخر ولم يتمكن الأطباء من إنقاذ الجنين.
وتقول رقية إن المرأة لم تستعد وعيها، وإنها توجد حاليًا في صنعاء للعلاج مع زوجها وأسرتها، بعد نحو عام ونصف على الواقعة.
وتقول رقية إن من الحالات التي تصل إلى المرافق بعد حدوث مضاعفات الولادة النزيف الشديد وارتفاع ضغط الدم وتسمم الحمل، فيما تُحال بعض الحالات الحرجة إلى صنعاء بسبب عدم توفر العناية المركزة أو الكادر المتخصص.
ويقول محمد عبده، مساعد طبيب ومسؤول برنامج التغذية الخاص بسوء التغذية للنساء الحوامل والمرضعات في ريمة لـ”ريف اليمن”، إن بعض القرى في المحافظة لا تصل إليها السيارات، ما يضطر الأسر إلى حمل المرأة بوسائل بدائية لمسافة قد تصل إلى ثلاثة كيلومترات حتى نقطة يمكن للسيارة بلوغها، ثم مواصلة الرحلة عبر الطرق الجبلية مما يعرض حياتها للخطر.
حلول تبدأ من القرية
يرى العاملون الصحيون أن تحسين رعاية الأمهات يبدأ من المناطق التي تعيش فيها النساء، لا من مطالبة المرأة وحدها بالوصول إلى المستشفى.
وتضع الهتاري أهمية تأهيل قابلات محليات في المناطق النائية ضمن الحلول الأساسية لمتابعة الحوامل واكتشاف علامات الخطر مبكرًا والمساعدة في الإحالة، لكنها ترى أن التوعية وحدها لا تكفي إذا بقيت الأسرة عاجزة عن تحمل كلفة النقل والعلاج.
اما النهاري تدعو إلى إيصال التوعية والمتابعة إلى النساء في مناطقهن، فيما يقترح نائب مدير مكتب الصحة إعادة تفعيل الفرق المتنقلة، وتدريب القابلات، وتوفير أجهزة الموجات فوق الصوتية، ودعم الكادر والتجهيزات، وتحسين التنسيق بين مرافق المحافظة والمستشفيات التي تستقبل الإحالات.
وتشير اليونيسف في أبريل 2026 إلى أن المناطق الريفية والنائية في اليمن تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات، وأن كلفة النقل تمثل عائقًا أمام الأسر، فيما تساعد الفرق المتنقلة في الوصول إلى المجتمعات صعبة الوصول.
في ريمة، لا تتعلق رعاية الأمهات بوجود مستشفى فقط، بل بسلسلة تبدأ من القرية من خلال متابعة حمل قريبة، وقابلة مؤهلة، ومرفق قادر على التعامل مع الولادة، ونقل وإحالة سريعين عندما تتحول الحالة إلى طارئة.
أُنجزت هذه المادة بدعم وإشراف من مؤسسة عوافي للإعلام الصحي، ضمن مشروع «أول هدية» الذي تنفذه بالشراكة مع المركز الوطني للتثقيف والإعلام الصحي وبدعم من منظمة اليونيسف وبنك التنمية الألماني ( KFW).
ونشرت بالتزامن مع موقع ” ريف اليمن”
Source : https://alttebiah.net/?p=25683




