اليمن: قاصرات على أَسرّة الولادة

mohammed alghobasi
2026-08-23T20:27:05+03:00
فلك الطبيةقصصنا
23 أغسطس 2026Last Update : الأحد 23 أغسطس 2026 - 8:27 مساءً
اليمن: قاصرات على أَسرّة الولادة

اليمن: قاصرات على أَسرّة الولادة

تحقيق – أنسام عبدالله 

لم تتمالك “أم مرام”، من مديرية تبن، بمحافظة لحج، نفسها وهي تروي بدموعها حكاية ابنتها، التي اضطرت لتزويجها وهي بعمر أحد عشر سنة فقط، بعد أن مات أبوها “المعيل الوحيد” عام 2019، فيما تزوجت مرام إلى إحدى القرى النائية عام 2020.

تقول: “حملت مرام خلال الشهر الأول من الزواج، ولم تكن تتلقى تغذيةً جيدة وهي بعيدة عني، لم أرها إلا وهي بالشهر السادس، أتوا بها إليّ وهي ضعيفة شاحبة غائرة العينين، لا تقوى على المشي ولا الكلام، وتعاني نزيفًا نتيجة الإجهاض، حيث فقدت طفلها بسبب فقر الدم، كما أخبرتني الدكتورة وقتها”.

وتضيف: “تكرر الأمر مع مرام ثلاث مرات، وهي تفقد أجنتها”، ثم تصمت أم مرام محاولةً إخفاء عبراتها، بعد أن تذكرت طفلتها ذات الأربعين كيلوجرام وزنًا، قبل أن تموت عام 2024، وهي تلد طفلها الرابع وما زال عمرها 14؛ نتيجة النزيف الحاد أثناء الولادة”.

​”هل قتلتُ ابنتي؟!” تتسألةالأم مرتجفةً، ثم تقول: “اضطررتُ لتزويجها، فعندي غيرها أربع بنات وولدين، ولا يوجد لدينا راتب شهري، ونعيش على صدقات الناس”. وتردد وهي تبكي بحرقة: “أخاف أن أفقد باقي بناتي مثلها.. ماذا افعل؟”.

رفضت أم مرام مشاركة وثائق ابنتها مع معدة التحقيق من صورة عقد الزواج والتقرير الطبي.

اطلع “المشاهد” على وثائق حالة فتاةٍ أخرى. ولدت أواخر عام 2005، في مديرية تبن، بلحج، وتم تزويجها عام 2019، في عمر 14 عامًا. وقال والد الفتاة “إن ابنته فارقت الحياة في نوفمبر 2020 أثناء الولادة في المستشفى”.

كما تم الاطلاع على وثائق حالة فتاةٍ ولدت عام 1998، في مديرية المسيمير، بلحج. وتم تزويجها عام 2013، أي في عمر 15 عامًا. وبحسب التقرير الطبي من مستشفى المسيمير وتصريح الدفن فقد فارقت الحياة خلال يونيو 2026؛ بسبب آلام المخاض.

المادة (15) من القانون اليمني رقم (24) للعام(1999) الذي يضم تعديلات للقانون رقم (20) للعام (1992) بشان الأحوال الشخصية، تحظر زفاف الصغيرة للزوج أو “دخول المعقود عليها إلا بعد أن تكون صالحةً للوطء، ولو تجاوز عمرها خمس عشرة سنة.”

تقول الأمم المتحدة إن اليمن تسجل أعلى معدل وفيات للأمهات في المنطقة العربية، حيث تموت ثلاث نساء يوميٍا؛ بسبب مضاعفات الحمل أو أثناء الولادة.

وتظهر بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في اليمن (اوتشا) أن البلاد حصلت على تمويلٍ لدعم قطاع الصحة خلال الفترة 2020-2025 بأكثر من ملياري ونصف دولار.

اليمن: قاصرات على أسرة الولادة

أما الإنفاق الحكومي على قطاع الصحة، بما في ذلك صحة الأمومة فلا يزال غير كافٍ، بحسب دراسةٍ بحثيةٍ نشرت خلال يناير الماضي في “مجلة العلوم الإدارية“. حيث بلغ متوسط نسبة الإنفاق الصحي من الناتج المحلي الإجمالي 5.2% للأعوام 2009-2016.

وتقول “منظمة أطباء بلاحدود“: “إن البنية التحتية للنظام الصحي العام باليمن في انهيار منذ عام 2015، تحت وطأة النزوح، العنف، وانقطاع الميزانية التشغيلية للمستشفيات والمرافق الصحية”. وتشير المنظمة إلى أن موظفي القطاع العام باليمن بما في ذلك عمّال الرعاية الصحية والمدرسين لا يتسلمون سوى جزءًا من رواتبهم، أو لم يتسلموا شيئًا منذ 2016.

لا يزال زواج القاصرات منتشرًا في اليمن بنسب متفاوتة، وبحسب المحافظة. وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف): “إن هناك أربع ملايين فتاةٍ يمنية يتزوجنَ في سن الطفولة، منهنّ 1.4 ملايين تزوجنَ قبل سن الخامسة عشرة”.

وفي محافظة لحج، جنوب اليمن، رصد مشروع “بيانات عن زواج الصغيرات في اليمن“، أن نسبة انتشار زواج القاصرات بالمحافظة سجل 28% عام 2023. وسجلت محافظة الجوف، شمال اليمن، أعلى نسبة خلال العام نفسه بواقع 42%.

وتقول اليونيسيف: “إذا استمر نفس التقدم الملاحظ خلال 25 عامًا الماضية، فإن نسبة زواج الصغيرات في البلاد ستظل عند 21% بنهاية العقد الحالي”.

اليمن: قاصرات على أسرة الولادة

فقر الدم بين الأمهات الصغيرات
​تقول اختصاصية نساء وتوليد، بمستشفى الوهط الحكومي الريفي بمديرية تبن، بمحافظة لحج، الدكتورة سناح السقاف: “إن المستشفى يبعد عن العاصمة المؤقتة عدن حوالي 36 كيلومترًا، وزادت خلال السنوات الأخيرة بعد حرب عام 2015 حالات فقر الدم المبكر عند الحوامل خلال الشهور الثلاثة الأولى للولادة، وكذلك بالشهور الأخيرة، وحتى قبل أن الحمل أصلًا؛ لذا نعطي المريضة ‘ملتي فيتامين’ وحمض ‘فوليك’ في الشهور الأولى، أما الشهور الأخيرة فتضطر إلى نقل الدم، لقلة فاعلية هذه الأدوية”.

وتضيف: “الحالات التي تعاني فقر الدم تكون نسبة ‘الهيموجلوبين’ غالبا ما تتراوح بين خمسة أو ست جرامات فقط؛ مما يضطرنا أحيانًا إلى نقل ثلاثة أرطال خلال الأسبوع الواحد أو أكثر، بحسب الحالة”.

وعن أسباب تزايد فقر الدم، توضح الدكتورة سماح أن أغلبها اقتصادية، وتتمثل في تدني المستوى المعيشي؛ الذي يسبب سوء التغذية، ويكثر عند الفئات الضعيفة من المهمشين والنازحين وسكان المناطق الريفية النائية والرعاة، وحتى في الحضر أيضًا هناك ازدياد في الحالات. وتقول: “إن مريضات تكسرات الدم، يشكلنَ تقريبًا 15% من مريضات فقر الدم في المستشفى وهؤلاء لهن وضع خاص”.

لا تتوافر بيانات منشورة تحدد نسبة الحوامل المصابات بتكسرات الدم من إجمالي الحوامل المصابات بفقر الدم في اليمن. لكن دراسات محلية تشير إلى أن انتشار فقر الدم العام بسبب نقص الحديد والتغذية بين الحوامل يتراوح ما بين 82% (دراسة عينة في المكلا، حضرموت، 2004)، 80% (دراسة عينة في باجل، الحديدة، 2026) إلى 57% (دراسة عينة في مدينة مأرب، 2024).

​تقول الدكتورة سماح: “بالنسبة لبروتوكول التعامل مع حالات فقر الدم، فإننا نعتمد نسبة ثمانية جرامات من ‘الهيموجلوبين’ كحدٍ فاصل؛ فإذا كانت نسبة المريضة ثمانية جرامات أو أكثر، نقوم بصرف مكملات الحديد المعتادة لها بشكل طبيعي. أما إذا كانت النسبة أقل من ذلك، فلا نعتمد على أقراص الحديد لعدم جدواها السريعة في هذه الحالة، بل نكتفي بوصف حمض ‘الفوليك’، ونقوم فورًا بإجراءات نقل الدم للمريضة لرفع نسبتها”.

​وهذا هو بروتوكول المستشفى، أما الأدلة السريرية العالمية، مثل “دليل منظمة أطباء بلا حدود“، فيقول: “إن نقل الدم للحامل يعطي وفق شروط، منها أن يكون فقر الدم شديد ومستوى ‘الهميموجلوبين’ أقل من خمسة غرامات، حتى في حال غياب علامات انهيار المعاوضة أو أقل من سبعة غرامات مع علامات عدم التعويض”.

الطبيبة وممثلة مشروع الصحة والتغذية التابع لجمعية الوصول الإنساني بمحافظة لحج، الممول من صندوق التمويل الإنساني في اليمن، صولانچ محمد مهدي، تقول: “إن الجمعية تنفذ المشروع منذ عشرة أشهر في أربعة مراكز صحية منتشرة بمديريات طور الباحة، المضاربة، والمسيمير. وبدأ المشروع خلال مايو الماضي، وينتهي نهاية فبراير القادم.

ويقدم المشروع مجموعةً من الخدمات الطبية في قطاع الصحة والتغذية للمرأة والطفل، في المناطق المستهدفة بلحج، تشمل توفير الادوية وفق قائمةٍ محددة، تقديم حوافز مالية للعاملين في المراكز الصحية، وتقديم المكملات الغذائية مثل الحديد وحمض “الفوليك” للحوامل اللواتي يعانين من فقر الدم.

يشارك في المشروع 20 ماسحةٍ متطوعة؛ للعمل في النزول الميداني؛ لتقديم التوعية حول تغذية الأم الحامل والطفل، وتقييم سوء التغذية بين الأطفال والنساء، وتحويل الحالات الحادة المصابة بسوء التغذية إلى المستشفى لتلقي العلاج.

و يتكفل المشروع بدفع مبلغ إحالة مالي (100 دولار) للمريضة لمساعدتها وتغطية تكاليف الانتقال بعد تسجيل بياناتها.

وقالت: “حالات سوء التغذية بين الأمهات سجلت أرقامًا كبيرة في المسح الأخير للمشروع، وهناك صعوبات في الوصول لجميع الحالات؛ بسبب تباعد المناطق الجغرافية؛ ما يمنع بعض المتطوعات من تغطية كافة القرى”.

الزواج المبكر يفاقم فقر الدم”
​تقول الدكتورة سماح السقاف: “إن الزواج المبكر من أهم أسباب فقر الدم بين الحوامل، إذ تزايد بنسبة الضعف خلال السنوات الأخيرة، فنجد فتيات من الفئة العمرية 11-12 عامًا، على أَسرّة الولادة في وضع صحي صعب، فالحوض غير مكتمل، وجسمها ضعيف، بالإضافة إلى التغذية غير السليمة، فتضطر إلى الخضوع للعمليات القيصرية، وهنا تتضاعف مشكلة فقر الدم التي تؤدي أحيانًا إلى الوفاة. ونراعي غالبًا أن تكون ولادة مريضة فقر الدم طبيعية ونساعدها كي لا نصل إلى الجراحة ومضاعفات النزيف والوفاة”.

وأردفت قائلة: “ما زلتُ أتذكر حالةً قبل سنوات قليلة؛ بسبب النزيف وعدم تقلص الرحم، حيث لم توجد مادة ‘الكورتيزول’ وتوفت”.

من جهتها، تقول اختصاصية نساء وولادة من حضرموت، الدكتورة “نهى سويلم”: “بصفتي طبيبة عاينت آلاف الحالات، أؤكد أن زواج القاصرات في اليمن هو ‘انتحار بيولوجي’ صامت، فالحمل المبكر يؤدي إلى فقر دمٍ حاد؛ لأن الجنين يمتص الحديد من مخزن ‘فارغ’ أصلًا؛ ما يضع الأم الصغيرة في مواجهةٍ مباشرةٍ مع خطر فشل القلب الوظيفي، أو النزيف المميت أثناء الولادة”.

وتقول: “الأطفال المولودون لأمهاتٍ قاصرات مصابات بفقر الدم غالبًا ما يعانون من نقص نمو الدماغ وضعف المناعة المستدام”.

تتفق هذه الحقائق، مع دراسة صادرة عن مجلة “جامعة صنعاء” للعلوم الطبية والصحية، نشرت خلال فبراير 2026، ولخلصت أن هناك ارتباط كبير بين فقر الدم وصغر سن الحامل، السكن الريفي، تدني الدخل، تاريخ الاجهاض، وعدم المباعدة في الحمل. وقالت الدراسة إن معدل انتشار فقر الدم بين الحوامل في مديرية باجل، بمحافظة الحديدة، بلغ 80.1 % وهي دراسة مقطعية تحليلية، شملت عينة الدراسة 382 امرأة حامل، وأكثر من 45% من عينة الدراسة من الفئة العمرية 16-24 عامًا. وأظهرت نتائج الدراسة أن فقر الدم المتوسط منتشر بنسبة 64.05%، وفقر الدم الخفيف 29.42%، والشديد 6.54٪.

​وفي دراسة منشورة بمجلة جامعة السعيد للعلوم التطبيقية، في يناير 2026، كشفت النتائج عن انتشار فقر الدم بشكل مرتفع، وبنسبة 55% بين النساء في سن الإنجاب بمديرية الشحر، محافظة حضرموت، وأظهر التحليل أن خطر الإصابة يزداد لدى اللواتي يعانين من طول فترة الحيض ومستخدمات “اللولب” والنحافة.

من جانبها تعزز مسؤول الصحة الإنجابية بمستشفى الوهط، أنسام ناصر، هذا الطرح. موضحةً أنه خلال فبراير الماضي تم رصد ما يقارب “15” حالة فقر دم للنساء الحوامل المراجعات لديها في الشهر الواحد؛ نتيجة سوء التغذية؛ وبسبب الوضع الاقتصادي العام، كذلك عدم الوعي الكافي لدى الفتيات الصغيرات المتزوجات حديثًا بأهمية الأكل الصحي؛ لذا يلجؤون إلى “الاندومي” والأكل المتاح لرخص قيمته، فاللحوم والدجاج والخضروات تشكل عبئًا اقتصاديًا؛ بسبب الغلاء وتأخر الرواتب.

وتضيف: “نظام القسائم المجانية الذي تصرفه منظمة ‘يمان للتنمية والأعمال الإنسانية’ عملت على مساعدة الحوامل ليتحصلوا على بعض العلاجات المجانية اللازمة أثناء الحمل وبعد الولادة بشهر فقط. لكن تظل مسألة عدم المباعدة بين الولادات تؤرق الأمهات، وتزيد من خطر الإصابة بفقر الدم الحاد”.

​وتقول مسؤولة قسم الوضع والطوارئ التوليدية بمستشفى الوهط، نسيم سعيد ثابت، إنه رغم تزايد حالات فقر الدم للأمهات الحوامل إلا أننا ننفذ جلسات توعيةٍ ومشورة عن الأكل الصحي المهم لتلافي فقر الدم، وتعويضه قدر المستطاع بالأطعمة الصحية المتاحة؛ لتلافي هذه الأمور التي تتعقد وتظهر على شكل إجهاضٍ لدى كثيرٍ من الحوامل في الشهر السادس والسابع، والتي وصلت خلال فترة ما إلى سبع حالات في شهرٍ واحد، كذلك نزيف عند الولادة والوفاة.

هذا ما تربطه ماسحة سوء التغذية في جمعية الوصول الإنساني، سمية أحمد، من لحج؛ بأسبابٍ عدة في الريف، أهمها سوء التغذية “المزمن”. حيث في تلك المناطق، خصوصًا الرعاة والمناطق الجبلية الريفية، لا تهتم المرأة بصحتها وتغذيتها، إذ أنه من العادات في بعض المناطق ألا تأكل مع زوجها، بل تأكل بقايا طعامه، وفي مناطق أخرى لا تشرب المرأة أو تأكل الحليب والبيض الناتج من الحيوانات التي تربيها وإن كانت حاملًا، بل تضطر لبيع الحليب والبيض لأجل إطعام أطفالها بثمنها، وهي لا تهتم بغذائها حتى في فترة حملها، بل تأكل كسرة خبز وشاي أسود؛ ما يفاقم سحب الحديد من جسمها، كما يفقدها دمها وقوتها وصحتها.

​هنا يضع استشاري أمراض الدم الدكتور “سعيد ناشر” من تعز، النقاط على الحروف قائلًا: “فقر الدم لدى الحوامل مشكلة صحية عالمية خطيرة. وفقًا لأحدث بيانات الاتحاد الدولي لأمراض النساء والتوليد لعام 2025، حيث يعاني حوالي 32 مليون امرأة حامل، على مستوى العالم، من فقر الدم؛ ما يتسبب بأكثر من 115 ألف حالة وفيات للأمهات سنويًا، وتتحمل البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، مثل اليمن، العبء الأكبر. ولا يزال انتشار فقر الدم بين الحوامل بنسبة 50% في البلدان منخفضة الدخل رغم استهداف منظمة الصحة العالمية خفض هذه المعدلات إلى 15٪ عام 2025.

أسباب وراثية لفقر الدم
بعيدًا عن نقص التغذية، هناك مسببات وراثية لفقر الدم عند الحوامل، بحسب الدكتور ناشر. فأكثر نوعين منتشرين في اليمن هما “الثلاسيميا” -خاصة الصغرى- و”أنيميا” الخلايا المنجلية. وحاملات “الثلاسيميا” الصغرى غالبًا لا يعرفنَ إصابتهن، لكن الحمل يضغط على أجسامهنّ ويتفاقم فقر الدم لديهنَ لدرجة تشخيصهنّ خطأً بـ”أنيميا” نقص حديد حادة لا تستجيب للعلاج التقليدي، أما المصابات بالخلايا المنجلية فقد أصبح بإمكانهنَ الحمل بفضل التطور الطبي، لكن حملهنّ يحتاج إشرافًا ومتابعةً دقيقة؛ لتجنب نوبات التكسر الحادة، وارتفاع هذه الأمراض في اليمن يعود أساسًا لزواج الأقارب، وهذه قضية يجب التوعية بها وبأهمية فحوصات ما قبل الزواج، عندما يكون الوالدين حاملين لجين المرض هذا يرفع احتمالية نقل الجين المعيب، فيصبح خطر إصابة الطفل بالمرض 25%، في كل حمل.

نقل الدم أم المكملات الغذائية؟
​ويضيف الدكتور ناشر: “لتصحيح مفهوم ‘فشل نقل الدم’، فالمشكلة ليست في فشل نقل الدم برفع ‘الهيموغلوبين’، بل في مضاعفات الاعتماد المتكرر عليه مثل ‘التحسس المناعي’ الذي يُصعِّب نقل الدم مستقبلًا، وقد يدمر دم الجنين، وداء الحديد الزائد  الذي يسبب فشل القلب والكبد، وخطر انتقال العدوى خصوصًا في ظروف عدم فحص الدم بدقة، ونعتبر الحالة لا تقبل الانتظار وتستدعي نقل دمٍ فوري إذا انخفض ‘الهيموغلوبين’ عنسبعة جم/ديسيلتر، خاصة في الثلث الأخير من الحمل، أو إذا ظهرت أعراض خطيرة كضيق التنفس أثناء الراحة، تسارع القلب فوق 120 نبضة، هبوط الضغط، علامات فشل القلب، الإغماء، أو وجود نزيفٍ نشط”.

​لا تقتصر تبعات فقر الدم على الأم الحامل لوحدها. “التبعات على الجنين مدمرة وتشمل تقييد النمو داخل الرحم، الولادة المبكرة، انخفاض الوزن، والأخطر هو الضرر الدائم على الدماغ والنمو الذهني، إذ يسبب نقص الدم الحاد أثناء الحمل ضعفًا إدراكيًا، تأخرًا حركيًا، مشاكل سلوكية، واضطراب فرط الحركة لدى الطفل، وقد يستمر فقر الدم عند الوليد ويؤثر على تطور دماغه”، يقول ناشر.

ويضيف: “نقل الدم ليس الحل الأمثل بل هو الحل الأخير والأكثر خطورة، بينما تفعيل بروتوكول الحديد الوريدي هو البديل الأسرع والأكثر أمانًا وفعاليةً، ويجب أن يتوفر في كل مركزٍ صحي، الحديد الوريدي يرفع ‘الهيموغلوبين’ خلال أيام، آمن بعد الثلث الأول من الحمل، يعالج السبب الأساسي ويعيد مخازن الحديد، لا يحتاج متبرعين أو فحوصات مطابقة، وأقل تكلفة، أما نقل الدم فيرفع ‘الهيموغلوبين’ فوريًا لكن بشكل مؤقت، ويحمل مخاطر عالية كالتحسس والعدوى وداء الحديد الزائد وفشل الأعضاء، وهو مكلف وشحيح في ظروفنا”.

مضيفًا: “نستخدم الحديد الوريدي في حالات فقر الدم المتوسط إلى الشديد (هيموغلوبين أقل من 10) مع عدم استجابة للحبوب الفموية بعد أسبوعين، أو عدم تحمل الآثار الجانبية، أو قرب الولادة، أو سوء الامتصاص، ولا نعطيه في الثلث الأول احتياطًا، ونضطر لنقل الدم فقط في الحالات الحرجة كهبوط ‘الهيموغلوبين’ تحت 7 مع أعراضٍ قلبية، أو نزيفٍ حاد نشط، أو قرب الولادة المباشرة بفقر دم الشديد”.

استمرار سوء التغذية
التقرير الوطني للجمهورية اليمنية للتقدم المحرز نحو تنفيذ إعلان ومنهاج عمل بيجن + 30 للأعوام 2020-2024″  يؤكد أنه رغم سنواتٍ عديدة من المساعدات الإنسانية الحيوية، لم يتم إحراز تقدم يُذكر في مؤشرات سوء التغذية “التقزم، الهزال، وفقر الدم، حيث يعاني ما يقارب من نصف الأطفال دون سن الخامسة من التقزم؛ بينما تعاني 1.3 مليون امرأة حامل ومرضع و2.2 مليون طفل دون سن الخامسة من الهزال.

وتظهر بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في اليمن (اوتشا) أن اليمن حصل على قرابة 0.9 مليار دولار إجمالي تمويل دعم قطاع التغذية خلال الأعوام 2020-2025.

اليمن: قاصرات على أسرة الولادة

ويقول التقرير الوطني: “إن نحو 48% من المرافق الصحية في اليمن، إما أنها تعمل جزئيًا أو أنها لا تعمل على الإطلاق”. وقال برنامج الغذاء العالمي في يونيو الماضي: “إن ما يقارب من نصف السكان في مناطق سيطرة الحكومة يواجهون مستوياتٍ عاليةً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع تراجعٍ حاد في تمويل المشاريع الإنسانية بالبلاد”.

وبحسب خطة الاستجابة الانسانية لعام 2026، لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة “اوتشا” باليمن، لا يزال الجوع وسوء التغذية عند مستوياتٍ مقلقة، حيث يواجه أكثر من 18 مليون شخص انعدامًا حادًا للأمن الغذائي، بينهم 5.8 مليون يعانون مستوياتٍ طارئة من الجوع، ومن المتوقع أن يواجه 40 ألف شخص ظروفًا كارثية لانعدام الأمن الغذائي.

علامات وأعراض فقر الدم
وفي السياق، توضح أخصائية أمراض باطنية، الدكتورة سلوى علي، أن علامات وأعراض فقر الدم معروفة مثل التعب، تدني القدرة على العمل البدني، وضيق التنفس، الشعور بالدوار، برودة اليدين والقدمين، الصداع، وشحوب الجلد، ويمثل فقر الدم مؤشرًا على سوء التغذية ومشاكل صحية أخرى.

وتقول: “يمكن أن يسبب فقر الدم الحاد أعراضًا أكثر خطورة تشمل شحوب الأغشية المخاطية في الفم والأنف، شحوب البشرة والمنطقة الواقعة تحت الأظافر، التنفس السريع وارتفاع معدل ضربات القلب، الشعور بالدوخة عند الوقوف، وحدوث كدمات بسهولة أكبر”.

وتنصح بتناول الأطعمة الغنية بالحديد واللحوم الحمراء الخالية من الدهون، والأسماك والدواجن والبقوليات والحبوب الكاملة والخضروات ذات الأوراق الخضراء الداكنة، وتناول الأطعمة الغنية بفيتامين C وتجنب الأطعمة التي تبطئ امتصاص الحديد مثل نخالة الحبوب.

​وبحسب البيانات التحليلية للتقرير الوطني الجمهورية اليمنية المراجعة الوطنية الشاملة للتقدم المحرز نحو تنفيذ إعلان منهاج عمل بيجين+ 30 للأعوام “2020_2024، لواقع التغطية الصحية، يواجه النظام الصحي عجزًا حادًا في الكوادر الطبية بوجود 18.8 عامل صحي فقط لكل 10.000 نسمة (أقل من الحد المعياري 22)، وتفتقر 37% من المستشفيات لأطباء متخصصين، بينما يبلغ إجمالي عدد النساء في الكادر الصحي 24.959 امرأة مقابل 41.593 رجلًا، أي بنسبة 37.5%، من إجمالي الكادر الصحي.

​وفي السياق، تُعرّف “منظمة الصحة العالمية” فقر الدم عند النساء الحوامل بأنه عندما يكون تركيز ‘الهيموجلوبين’ أقل من 110غرام/لتر.

صحة الأجيال القادمة في خطر
​وفي حديث للمحامي منير محسن، من محافظة أبين، يقول: “إن استمرار فقر الدم لدى الأمهات يضرب “رأس المال البشري” في مقتل، حيث يُنتج أجيالًا تعاني من تراجعٍ ذهني وجسدي؛ ما يجعل تطبيق المادة (24) من الدستور بشأن “تكافؤ الفرص” مستحيلًا في المستقبل؛ فلا يمكن لشابٍ منهك صحيًا منذ تكوينه أن يتنافس بعدالة، قانونيًا، هذا الإهمال يورث الحكومات القادمة عبء “تعويض” الأضرار الصحية وتكلفة رعايةٍ باهظة، كما يهدد السلم الاجتماعي باتساع الفجوة بين الطبقات، وبناءً عليه، فإن التبعات القانونية والسياسية المستقبلية ستتمثل في دولةٍ ضعيفة الإنتاجية ومثقلة بالالتزامات الحقوقية الدولية؛ نتيجة “جريمة الامتناع” الحالية عن حماية الأمومة.

ويقول المستشار القانوني، نبيل أحمد العمودي، من عدن، : “إن إهمال معالجة فقر الدم لدى الأمهات يمثل انتهاكًا صارخًا وغير مباشر للمادة (24) من الدستور اليمني؛ لأن فقر الدم للأم يؤثر جذريًا على صحتها وصحة طفلها مستقبلًا (قدراته الذهنية والجسدية)؛ ويحرم سلالةً كاملة من فرصةٍ عادلة في التعليم والعمل والنمو الطبيعي مقارنة بغيرهم”.

وتعد المادة (24) من الدستور اليمني ركيزةً أساسية، بحسب العمودي. وتنص المادة على: “تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وتصدر القوانين لتحقيق ذلك”.

ولتعزيز هذا الدفع دستوريًا لا يجب الاستناد للمادة (24) منفردةً بل وجوب ربطها بالمادتين (30) بشأن حماية الأمومة والطفولة والمادة (55) بشأن حق الرعاية الصحية لجميع المواطنين من الدستور اليمني.

ويضيف العمودي: “الإهمال في معالجة فقر الدم لدى الحوامل ليس مجرد تقصير خدمي بل هو إخلال بـ’التزام أساسي’ وبذل عناية فرضه الدستور؛ ما يؤدي إلى هدم مبدأ تكافؤ الفرص”.

​كما كشفت مسؤولة قسم الشؤون الفنية بمستشفى بن خلدون العام، في الحوطة، بلحج، الدكتورة وهيبة أحمد، عن تصاعدٍ مقلقٍ في سحب أرطال الدم بمعدل يستهلك ما لا يقل عن خمسة أرطال يوميًا، مع الاعتماد على جهاز “الإليزا” المتطور لضمان سلامة المنقول، حيث تضررت الكثير من الحوامل والأمهات في السنوات السابقة من الأمراض المنقولة عبر الدم كأمراض الحميات والأمراض الفيروسية والملاريا؛ ما فاقم المشكلات الصحية لدى الأمهات، علاوةً على فقر الدم.

مشيرةً إلى أن الجرد يتم يوميًا في بنك الدم بالمستشفى؛ لتلافي الأزمات الطارئة؛ نتيجة كثرة السحب من المخزون.

من جانبه، حذر الصيدلاني “زياد جمال”، من الاستخدام العشوائي للمكملات، وضرورة ضبط جرعة حمض “الفوليك” بناءً على استشارةٍ طبية، إذ تأتي الكثير من المريضات طلبًا لهذه الأدوية دون استشارة طبيب، بل لمجرد اشتباهٍ أن لديهنَ أعراض فقر دم.

​حوكمة ورقمنة الدعم الصحي
تنفذ وزارة الصحة في عدن، حاليًا، بالشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة الوصول الإنسانية، مشاريع لتعزيز خدمات الأمومة.

وتقول مدير إدارة الأمومة بقطاع السكان بوزارة الصحة، الدكتورة حنان أنور: “الخلل ليس في المشروع كفكرة، بل في ‘آليات الرقابة’ و ‘المركزية في التوزيع’، فالحل يبدأ من رقمنة سلاسل الإمداد؛ لضمان وصول كل حبة دواءٍ ليد الأم المستحقة، بالتوازي مع نهضةٍ تثقيفية لتغيير المعتقدات بأن هذه الأدوية تكبّر الجنين وتعسّر الولادة، ويجب أن يرتكز المشروع على التمكين المعرفي للقابلات ليكونوا “مثقفين تغذويين” وليسوا مجرد “موزعي أدوية”، مع دمج جلسات المشورة التغذوية كركنٍ إلزامي في كل زيارة رعاية، وضرورة توطين الميزانية لتقليل الارتباط بالمنح الخارجية، حيث يشير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن نحو ستة ملايين من النساء والفتيات في سن الحمل والإنجاب يحتجنّ إلى الدعم العاجل”.

وتوصي بتفعيل بروتوكول الحديد الوريدي كبديلٍ استراتيجي وآمنٍ لنقل الدم، وتوفيره في المراكز الصحية الريفية مع تدريب الكوادر الطبية عليه؛ لضمان استجابةٍ سريعة لحالات فقر الدم الحاد في المناطق النائية.

كما وجهت المصادر، رسالةً للأسر اليمنية بأهمية فحوصات ما قبل الزواج للمساهمة في منع انتشار أمراض نقص الدم الوراثية، مطالبةً وزارة الصحة اليمنية ومديري المستشفيات بتفعيل برامج توعيةٍ صحية بأهمية فحوصات قبل الزواج، وكذا أهمية تفعيل وتدريب الكوادر على إعطاء الحديد الوريدي، وتوفير حقن الحديد، فهذا سينقذ حياة آلاف الأمهات والأجنة سنويًا، ويقلل العبء على بنوك الدم المنهكة، ويجنب الأمراض مضاعفات نقل الدم المميتة.

بالإضافة إلى أهمية الثقافة التغذوية كركنٍ إلزامي أثناء زيارات الرعاية الصحية، وتمكين القابلات معرفيًا لتوعية الفتيات والنساء الحوامل والمقبلات على الحمل، خاصةً وأن زواج القاصرات في اليمن تحول إلى “انتحار بيولوجي”، فالحمل المبكر يضع الأم الصغيرة في مواجهةٍ مباشرةٍ مع الموت.

نقلا عن موقع “المشاهد”

*الصورة الرئيسية تعبيرية بواسطة الذكاء الاصطناعي

Short Link

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.