fbpx
فلاش3 ديسمبر 2021

عن الدواء اليمني.. قصة بطولة مشرفة

mohammed alghobasi
تشخيص
22 مارس 2023آخر تحديث : الأربعاء 22 مارس 2023 - 6:33 مساءً
Ad Space
عن الدواء اليمني.. قصة بطولة مشرفة
Ad Space
د. مطيع البوكري

إذا ذُكرَت الحياة ذُكر الطب والدواء؛ لكأنّ الكلمتين تكادان تقتربان في معنَيهما.

بدون الدواء؛ تكون حياة الناس مكشوفة لأبسط مهدد خارجي؛ وتلك فكرة صارت بديهية في أذهان البشر. ما لا يدركه الناس، أو ربما لم يعُد أحد يستحضره، هو أن اليمني قبل عقود قليلة فقط كان يفقد حياته لأسبابٍ بسيطة، وإن لم يفقدها ظل يعيش أسيرًا لآلام فظيعة تجعل حياته أشبه بجحيم لا يُطاق؛ كلتا الحالتين كان فيها وجود الإنسان اليمني معرضاً لاستنزافٍ كبير. لكن الوضع اليوم تغيّر كثيرا. لا بد أن لِتطوُّر الصناعة الدوائية في العالم -وفي اليمن تحديدًا- دورًا هاماً في تأمين حياة الناس في هذه البقعة من الكوكب.

من الواضح أنّ هذه القفزة في الواقع الطبي عمومًا، لم تحدث من تلقاء نفسها، فهناك جيش من الفدائيين الأبطال، بشرٍ من كل بقاع اليمن، العاملين في المجال الطبي والدوائي، اجتهدوا؛ كي يتمكنوا من تحسين جودة الحياة للإنسان اليمني. حيث وضعنا الحالي، مقارنةً بما كان عليه أسلافنا. هي شهادة شديدة الوضوح عن الشوط الذي قطعته الصناعة الدوائية في البلاد، وتمكُّنها من تحييد كثير من الأخطار التي فتكَت بمن سبقونا في العيش.

قد يهمك..دراسة: صوم رمضان يؤثر إيجابياً على الأداء الدراسي للشباب

الحديث عن قصة تطور الصناعة الدوائية الوطنية، موضوع ثري وواسع؛ لكن المساحة المتاحة ضيقة. لهذا سأكتفي بهذا التمهيد السريع عن الوضع الصحي والدوائي العام في بلادنا. غير أن الحديث عن تطوّر الصناعة الدوائية الوطنية، تستدعي العودة لتاريخ تطوّر الدواء في العالم بشكل عام. باعتبار الصناعة الدوائية اليمنية هي امتداد طبيعي لتطور الدواء في الكوكب. وعليه يمكننا القول أنّ المحاولاتِ الجادةَ في طريقة ابتكار الدواء عالميا؛ تعود للقرن التاسع عشر؛ على أن القفزة حدثت في النصف الأول من القرن العشرين، أي خلال فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها؛ ومن ثَم بدأت تنتظم وتتراكم النجاحات وصولًا إلى عصرنا الحاضر.

بالنظر إلى هذا السياق العالمي وتاريخ تطوّر الدواء في العالم، ومقارنة بوضعنا المحلي؛ يمكننا الجزم أنّ الصناعة الدوائية اليمنية تمكنت من إلحاق الإنسان اليمني بالعالم وتقريب مستوى أمانه نسبيًا  من مستوى حياة بقية البشر

وعليه، لا أظن أنه من المبالغة أبدًا، القولُ أنّ المستوى الذي بلغته الصناعة الدوائية في اليمن كان قصةَ بطولة كبيرة، وسط كل الصعوبات المحيطة باليمنيين في كافة مناحي الحياة.

ففي ظرف قصير لا يتجاوز ثلاثة عقود تقريبا… تزيد أو تنقص قليلًا؛ صارت لدينا مصانع دوائية عديدة، تنتج كثيرًا من الأصناف العلاجية، وتغطي قطاعًا لا بأس به من الاحتياج المحلي للدواء، فالأمر هنا ليس عاديٌا بكل المقاييس. بل قصة بطولة جديرة بالإشادة والدعم وتستحق أن يتوقف الجميع أمامها ويدفعون بنجاحاتها للنهاية.

ولعل من البديهي القول: إنّ نجاح الصناعة الدوائية الوطنية لا يقتصر مردوده على مجال الصحة وتحسين جودة حياة البشر فحسب_ مع أن ذلك الهدف هو الغاية المركزية بالطبع_؛ لكن من طبيعة أي نجاح في الواقع، أنه ينعكس على كافة مناحي حياة البشر، وهذا الأمر ينطبق أيضًا على مجال الصناعة الدوائية في اليمن وأثر نجاحاتها الممتدة نحو ميادين أخرى.

إنّ هذا الجزء الحيوي من نشاطات الإنسان اليمني، تمكّن من خلق حالة ازدهار عمومي ملحوظ؛ فإلى جوار تمكُّنهم من تأمين حياة الناس بمستوى جيد، أسهموا أيضاً في ترميم الحياة المعيشية لقطاع كبير من الناس وتعزيز الإنتاج القومي للبلاد بشكل عام. حيث توسُّعِ الصناعة الدوائية الوطنية خلق فرصًا حياة كثيرة استوعبت مئات آلاف العاملين والموظفين وسدت ثغرات واسعة في الحياة العامة لأبناء البلد. وهذا بالطبع نجاح ثانوي لا يقل أهمية عن النجاح المركزي المتعلق بحفظ الحياة بشكل عام.

Ad Space

وحتى تدرك مردود الصناعة الدوائية الوطنية على الحياة بشكل عام. لك أن تتساءل ماذا لو لم يكن هناك أي حضور للمنتج الدوائي الوطني..؟ بالتأكيد سنكون أمام بلاد كل عيون أبنائها مركزة نحو الخارج، بلاد مكشوفة وقد فقدت التعويل على أي قدرة داخلية في توفير أي مستوى من الأمن الدوائي الذاتي لمجتمعها. هذا الأمر ليس خطرا على الأمن الدوائي الداخلي فحسب؛ بل ويعطل قدرات المجتمع ويعيق أي محاولة للمنافسة أو الإيمان بإمكانية تأمين حياتنا بأنفسنا، وتلك خسارة كبيرة بالطبع.

لقد تمكنت الصناعة الدوائية الوطنية من تثبيت حقائق كثيرة في حياة الإنسان اليمني. حقائق مادية ومعنوية. بدءًا من تعزيز حالة الأمن الدوائي، كما أسست لفضاء استثماري يمنع تسرّب جزء من ثروات البلاد نحو الخارج، وفتحت مساحات نشاط عملي واسع للمجتمع، وقبل هذا وبعده. أكدت للإنسان اليمني أنه لا يقل قدرة على أي إنسان في العالم. وأن بمقدوره أن يبدأ من امكانياته البسيطة، ويزاحم كل شعوب العالم. وفي الغد سوف تُصبح نجاحاته الواسعة؛ حقيقة مؤكدة. بل وقد صارت واضحة أمام الملأ. وما نموذج المصانع الدوائية الوطنية، سوى دليل على هذه القدرة التي حفزتها مشاريع الاستثمار في التصنيع الدوائي الوطني. فمن قلب واقع معقد وحياة عامة محاطة بالقسوة والقيود الكثيرة. تمكن أبطال التصنيع الدوائي اليمني من وضع اللبنات الأولية لهذا المشروع الكبير وصار اليمني قادرًا على حماية حياته بدواء صنعته عقول يمنية خالصة، تمامًا كما يصنع الألماني والفرنسي علاجه..بل وبنفس الدرجة من معايير التصنيع الدوائي العالمي.

صحيحٌ أن المشوار ما يزال طويلًا أمام قطاع الصناعة الدوائية في اليمن، لكنّ البدايات التأسيسية قد انطلقت، وهو ما يمنحنا مبررًا للدفع بالآمال نحو أقصى مستوياتها، ولا يحتاج الأمر سوى تكثيف اهتمامنا بهذا الجانب، والثقة بالمنتج الوطني، بالإضافة إلى تهيئة الأجواء أمام كافة النشاطات الاستثمارية في هذا المجال.

فلو تمكن قطاع الصناعة الوطنية من رفع منسوب قدرته على تغطية حاجة المجتمع من الأدوية وبشكل سنوي، فسوف يكون ذلك بمثابة دفعة إضافية، لربما تصل بنا لحالة من شبه “الاكتفاء الذاتي”؛ وتلك ذروة البطولة المأمولة من هذا القطاع المتصاعد باستمرار.

اقرأ أيضاً..تقرير أممي: مضاعفات الحمل والولادة تودي بحياة امرأة كل دقيقتين

الخلاصة: نحن أمام نموذج كاشف للنهوض، يتمثل في الصناعة الدوائية الوطنية، وهو مجال واعد ومفتوح لكل احتمالات التطور، فما داموا _المصانع الدوائية الوطنية_تمكّنوا مِن تحقيق قفزةٍ واضحة في فترة قصيرة، وتأسيس عالَمٍ حيوي ومعقد كمجال الصناعة الدوائية؛ فذلك مؤشر لقدرتهم على مواصلة التمدد لمساحات نجاح آخر. أعني بذلك، توسعةَ قدراتهم في التصنيع وإدخال تقنياتٍ جديدة؛ ومواكبة الرحلة المعقدة  للتطور الدوائي في الكوكب. الأمر يحتاج إلى إيمان المجتمع اليمني الراسخ بقدراتهم على مواصلة هذا الدرب، ومراكمة نجاحاته فيه باستمرار.

يحتاج لاحتشاد المجتمع خلف إنتاجه المحلي، فالنتيجة هي دوما لصالح الناس بالطبع، فهم بهذه الحالة يؤسسون لمستقبلٍ منظمٍ تكون فيها حياة الأجيال آمنةً من جانبين: تعزيز أمانهم الصحي على المدى البعيد، وتطوير واقع الصناعة المحلية كرافدٍ لتحريكٍ الدخل القومي للبلاد.

فكلما تمكن شعب من تدبير حياته بأدوات محلية، كان في ذلك توفير أكبر لمعيشته، وتكاليف أقل في رعاية وضعه الصحي، ومضاعفة نشاطاته الداخلية، بدلاً من استمرارنا في استنزاف أنفسنا وما نملكه بالمنتَج الخارجي.

بالطبع، لا توجد إحصاءات دقيقة حول نسبة الأموال والعملة الصعبة التي تنزف نحو الخارج لسد الاحتياجات الدوائية لليمنيين؛ لكنها مهولة. وهذا أمر يضاعف من تدهور حياتهم المعيشية، ولو أنه وفر لهم حاجتهم من العلاج؛ لكنه يفعل ذلك في الوقت الذي يستنزف ما لديهم من قدرات مالية. والحال هذا، سيكون اليمني بحاجة لمواصلة جهوده في حفظ صحته وأمواله معا. وأقصر الطرق لتحقيق هذا، هو بالطبع. إيمانه بالمنتج الوطني. فحين تصنع دواءك وطعامك، تكون بلا شك أكثر حرية وأقل احتياجًا للخارج. وستعيش في أمان من الجانبين.

بالطبع ستظل الشعوب تحتاج لبعضها؛ لكنّ المقصد من مواصلة الاهتمام بالمنتج الدوائي الوطني، هو كيف يكون منسوب قدرتنا على سد حاجاتنا أكبر من نسبة ما نحتاجه من أماكن بعيدة؛ و هذا التدبير يكاد يتفق على أهميته الجميع.

أخيرا: تعظيم سلام للأبطال العاملين في أخطر وأهم مجالات الحياة حساسية ومحورية. “الصناعة الدوائية اليمنية” واصلوا مشواركم، وخلفكم شعب كبير يؤمن بكم بقدر إيمانكم به. فالشعوب بفطرتها السليمة، تدرك أين تكمن مصلحتها المستدامة، وتكافئ جنودها السريين من يسهرون لتأمين حياتها وحياة أجيالها القادمة. أعني كل العاملين والمستثمرين في مجال التصنيع الدوائي اليمني.

*أحد المقالات التي وصلت للقائمة القصيرة والمرشحة للفوز بمسابقة شفاكو بالشراكة مع المجلة الطبية للكتابة عن الصناعة الدوائية الوطنية

Ad Space
Ad Space
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Ad Space